فيما يتعلق بقطار طنجة الساعة الخامسة صباحا ص ۷۷ - ۸۱
إنها نوع من الشعر السوريالي الذي يفقد معه القارئ كل معالم الأشياء وملامحها ليتشكل من كل ذلك صور معتمة لا حدود لها ولا هوية فتقرأ كلامًا محبوكا جيدًا، وترتاد أمكنة غريبة، ويأخذك الخيال بعيدًا، ولكن بغير قرار ولا اطمئنان. ولنتمثل المقاطع الأولى، ونجهد في رسم معلمة واحدة أو تقسيمة من تقاسيم الصور والهيئات التي صاغها الشاعر وحبكها من دون إحاطة بالمكان. ألا يا طويل البقاء يُحدثك المستفيق على صدر غافية للنسيم أريج جديلتها، والورود أتي من وراء التخوم ووشوش محارَهُ في الشواطئ.
كان غريبا من اللوز يأتي وللوز كل غريب يعود ص ۷۷ ونقرأ أيضًا مزيدا من هذه المقطعات التي تُغرّد في فضاء لا يتجاوب فيها أحد معها: وصار خريفًا عتيقا .مزاح الصحاب فمرت جيوش وداس عليهم نعيب الحروب لتنهض حول توابيتهم خافقات البنود. وحيدًا بقيت ظننت الطريق.. صديقا سيولد حين تريد ترى. هل نسيت بأن المحيط تسيد عرش البحار ونام؟ ص ۷۸ - ۷۹ أنا لست ضد هذا الشعر، ولا أستهجنه، ولا أُشيح بوجهي عنه؛ لأنه يأخذنا بعيدًا إلى عوالم لا عهد لنا بها، وهذا باب من أبواب الخروج من عالمنا الضيق المحاصر بضعفنا وأسرنا داخل أغلالنا ، لكنني أفضل دائما غربة التصورات وشطحات الخيال الذي يفتق أخيلتنا ، وينحو بها نحوًا استعاديا لتجارب خلت وامحت من صفحات الذاكرة.
ولنقرأ أيضا من القصيدة عينها، ونحاول تذوق هذين المقطعين الشاردين عن كل حدود التمييز بين شعر الخيال وشعر الخبال (بالباء) ثلاث نساء يباهين بعضًا بما كان ليل أمس، وما شيع النهد من راحلين أتعرف نهرًا يُودّع أرضًا يعود؟ تعال نمازحهن فيضحكن من غزل، وافتعال مشاجرة. ريثما يودع البرد شهوته في العروق ويصدق وعد البريد: على صدر (هذي) و (هذي) وتلك ص ۸۱ لامست السطور الشعرية حدود الهذيان وشتان بين رؤيا شائكة المصير وخطوط أو كلمات متقاطعة تحتاج إلى خبير لفك معانيها ورموزها. وما نحن براغبين في ركوب هذا المركب المضنك.وأرى بعد عدة قصائد مشابهة أن هذا النمط من الشعر المعتم المقفل بمصاريعه.
قد نظم في عمر مبكر (حوالي عشرين سنة) فهل هي التجربة المضطربة؟ إن فيها تيها آخر، وإبحارا نحو النهايات التي ينحدر فيها الفكر إلى هاوية اللاقرار. وتتبخر المشاعر والأخيلة في قوافل من دخان يصاعد في حركة لولبية لا قوام لها. نحن مع شعر برناسي سوريالي، رمزاني لا تكاد تقع فيه على نبض وشم وقشور دالية، حتى ينداح الكل في دوار لا سمت فيه ولا حدود، فتبحث عن الأشياء
فلا تجد إلا الأصداء، ولا يسعك الإعراض؛ لأن نبضات مختلجة تبقى ناشبة في فوهة الوعي والإنصات الداخلي وعام آخر يبتز من جسد الفضا: زادا الأشرعة تسافر ليلة الأكفان من كانون حيث نوافذ التاريخ حبلى والرؤى وجع.
وقابلة فيستمع الإله الواحد القهار فوق الخيمة الزرقاء طوفانا من الصلوات يحبطها فلا مَن ولا سلوى ولا عود من التيه. ص ۸۸ لقد زج لفظ الجلالة: الواحد القهار زجا، ولم أجد لذلك أي رابط أو خيط تصور، بين ما بعده وما قبله.. ثم زج (الإحباط) و المن والسلوى من غير التحام ونقرأ ما جاء في القسم الأخير من الصفحة مساكين هم الشعراء: مخدوعون مذبوحون منفيون. من زمن إلى زمن. قرابين شعوب الله سيدتي. وتابوت يجوب البحر خلف الأنبياء ص ۹۱ للشاعر أن يصوغ رؤاه كيفما يشاء، ويُبحر إلى المجهول، حتى لو أنه يعرف نهايته المقدورة ولكن ليترفق بنا لأننا نريد أن نصحبه ونعود سالمين، لاستئناف رحلات أخرى معه ومع أمثاله.
أحلام أحمد (الممنوع من الصرف ) ص ١٦٦ - ١٧١
قلقة الصور متقطعة الأنفاس مبتورة الإيقاع ظلال مربدة خيمت على فضاء القصيدة، فانسدت النوافذ علي، وأنا المرتاض على ارتياد معظم الدروب والفجاج، وتسلق الذرا، واقتحام السدود.. هل هي صحوة الشاعر القلقة المتوجسة من أضواء الوعي، فلم تخرج من قبو الأحلام الديجورية؟
ربما هي كذلك.. لأن قصائد عشرينيات عمره بمعظمها ، مربدة السطور، متجهمة القسمات متعرجة المسار والخطوات سخرية مظلمة سكرى، تمتص الوجع النافر مثل دموع الأم الحرى، والقمر السكران يلوذ بكأسي يصبغ راح الحزن بشقرته يتذرى تصطفق الأبواب بريح سموم تهتز الصورة في الكاس كغانية تتعرى، وسط الكأس الشقراء يطالعني قمر أزرق.أدفع للبحر، فأحجم ص ١٦٦ - ١٦٧
وأقرأ له المقطع الأخير:القيها: دائرة تكبر تكبر حتى المجهول. تهتز الصورة أكثر.. أكثر قمر يرقص تحت رداء الماء لكني ألمح شيئًا آخر: قمر سكران يترنح في سقف الدنيا ص ۱۷۱ اللافت المغرب أن القصيدة قد فازت بالمرتبة الثالثة في المسابقة الثقافية لجامعة الكويت للعام ۱۹۹۱ .. كما جاء في حاشية الصفحة الأخيرة من القصيدة. هل كان ذلك تشجيعا لوثباته الشعرية وإن كانت ( جُنْدُبية)، أم هو ذوق أحد أعضاء اللجنة المحكمة راقه هذا التخبط المشاعري التصويري؟
العرس المؤجل (ص ۱۷۲ - ۱۷۷)
كأن هذه القصيدة، عدة قصائد ضُمَّت فيما بينها لتصبح مقصدات، إذا صح التعبير، فتعدد المذاق، وضاع الرئيم الشعري الذي يصاحب الزخم المساقط فوق الغدران، فنقرأ تارة سطورًا شعرية مستقلة المعنى والصدور، ونلمح، تارة، الفاظا أقحمت إقحاما من غير اتساق أو ائتلاف، ونقع، تارة ثالثة، في غموض ديجوري.في الوجه الأول، هذه السطور ازتمت بي.. وتراءى صوتها خلف الرياح.أورق الليل حديثا والهوى ظل الحكايا. والعرايا معطف الشهوة دومًا، والحديث المستباح ص ۱۷۲.
وفي الوجه الثاني، يلح الشاعر على لفظة (الماء) غير مرة، ولم يفلح في صهرها في بنية المشهد الشعري المرسوم ذاب صوتانا بماء فجثونا نجمع الطل بصمت خوف أن يصحو الصباح شهرزادي صوتك المائي زادي. ازحلي بالقلب طفلا في الأغاني علميني أن عشق البعد ماءً في غيابات السبات./ ص ١٧٣ - ١٧٦ وفي الوجه الثالث: يترنم الشاعر بأصداء غموض ديجوري أرخى بظله البهيم في آخر القصيدة لا تراعي في مساءاتك ورد، وربيع لا ينام أعذريني أنت وجه للهزيمة.فاتركي ما قال عراف المدينة.حول نظر صوف يأتي وتراءى صوته خلف الرياخ قد عرفت النصر عرسا لنهار.
سوف يأتي بعد آلاف الليالي فاعذريني اعذريني / ص ١٧٦ - ١٧٧ لا شك أن في القصيدة وجها حداثيًا مبكرًا، فاتسم بهذا الخليط من المقطعات غير المؤتلفة فاعتراها هذا الاضطراب والترجرج في الصور والايقاعات كل ما في القصيدة حصاد شعري مختلف الطعم، والقامة، واللون.. (من كل واد عصا) أو كأنه أصوات متداخلة مع أصداء الأودية. وأستغرب كيف فازت في المسابقة الثقافية بالمرتبة الأولى، في جامعة الكويت؟