الريح والحيوان
من المؤكد أن الشاعر الجاهلي كان يصف كل شيء في صحراته الواسعة، فكانت أشعاره زاخرة بالحديث عن الحيوانات، وأهم هذه الحيوانات الخيل والإبل. كانت الخيل مطية الجاهلي في أمنه وسلمه، وجزءاً من وجوده الإنساني ولأهميتها في المعارك صورها الشعراء بالجيش، ثم وظفوا الريح في هذا التصوير، فكأن الجيش ريح شمالية لحقت بسحابة ما فلفتها، ثم فرقتها قبل أن يتجمع الماء فيها. يقول بشر بن أبي خازم الأسدي سموت له لألبسة يزحف كما لفت شامية سحابا وتزيد الريح سرعة الجراد أثناء طيرانه، لذا شبه الشعراء الجاهليون الفرس السريعة. بها. يقول دريد بن الصمة : ولما رأيت الخيل قبلاً كأنها جراد تباري وجهة الريح معتد ويقول الحطيئة ونحن إذا ما الخيل جاءت كأنها جراد زفت أعجازه الريح منتشر وتهب الريح الشمالية الندية الباردة بعد الجنوب، فيشعر فرس عنترة بن شداد بالبرد فيدفئها بما يسكب على جسدها من دماء الأعداء. يقول: وأدفنه إذا هبت شمالاً بليلاً حرجفاً بعد الجنوب.
وتمنح الريح السرعة للطيور، فتزيد من سرعة طيرانها، وبخاصة إذا كانت طائرة باتجاهها، وقد التفت الشعراء الجاهليون إلى هذه الظاهرة، فشبهوا سرعة العقاب التي يطاردها الذئب بالريح. يقول امرؤ القيس في وصف الفرس وتشبيهها بالعقاب كالبرق والريح شدا منهما عجباً ما في اجتهاد عن الإسراع تغبيب وتعد الناقة وسيلة انتقال الشاعر الجاهلي، ورفيقة دربه.
لذا أبدع في وصفها موظفاً الريح في ذلك، فهي كالريح الشمالية المزعزعة للأشياء في السرعة. يقول أبو قيس صيفي ابن الأسلت كان أطراف ولياتها في شمال حصاء زعزاع واشترك الشعراء في وصف الناقة بالسفينة العظيمة التي تدفعها الريح، وتزيد من سرعتها. يقول بشامة بن الغدير وإن أدبرت قلت مشحونة أطاع لها الريح قلعاً جفولا ويجعل بشر بن أبي خازم الأسدي ناقته في عرض البحر، تميلها الرياح حيث تميل. يقول: أجالد صفهم ولقد أراني على قرواء تسجد للرياح ويتخذ الشعراء الجاهليون الناقة ذريعة لوصف حيوانات أخرى كالثور، والبقرة والحمار، والظليم.
ويربط الجاهليون الثور بالناقة، ويجعلونها ذات صلة بالرياح، وذلك لأنهم اعتقدوا أن في السماء ناقة تحلب الماء كما تحلب ناقة الأرض اللبن، فتخيلوا السحاب نوقاً عشاراً والريح من يقوم بالحلب. كما اعتقدوا أن هناك ثوراً في السماء، وبجانبه مجموعة من النجوم تسمى الجبار، وهو اسم للجوزاء، لذا كانوا يستسقون بالبقر والثور إذا انقطع المطر رسم الشعراء الجاهليون صورة الثور، ووظفوا الريح في وصفهم، وتميز هذا الوصف بالتشابه في الأفكار التي عبروا عنها، إلا في بعض الجزئيات، وتتمثل في مصارعة الريح للثور الوحشي، ومحاولة التغلب عليه، ثم لجوء الثور إلى شجرة الأرطاة للحماية منها، ودفع أذاها.
فوجه قرنيه وجبهته لها، وبدأ ينفخ الريح من منخريه، ولعل ذلك النفخ الإدفاء الجسد، فكان في حالته هذه كالحداد الذي ينفخ الفحم. يقول النابغة: مولي الريح روقيه وجبهته كالهبرقي تنحى ينفخ الفحما وفي مكان آخر من ديوان النابغة تأتي الريح الشمالية الباردة بالسحاب من برج الجوزاء، ثم تبدأ بقذف الثور بحبات البرد الجامدة. يقول: سرت عليه من الجوزاء سارية تزجي الشمال عليه جامد البرد وتأتي الريح الباردة بالأمطار من برج الجوزاء، وتسلطها على الثور الوحشي، حتى تبله، وتشعره بالبرد، فيوجه قرنيه وجبهته صوبها، ليعلن بدء صراعه معها. يقول زهير بن أبي سلمى: فيات معتصماً من قرها لثقاً مولي الريح روقيه وجبهته رش السحاب عليه الماء فاطرق حتى دنا مرزم الجوزاء أو خفقا.
وتزيد الريح الشمالية الباردة قوة المطر الهاطل من السحاب إلى قوتها، وتكتفي بقوته ولا تشترط مجيئه من الجوزاء، وبالرغم من ذلك، تخضع الثور الوحشي، وتجبره على الالتجاء إلى شجرة الأرطاة الكائنة بمنعرج الرمل. يقول بشر بن أبي خازم الأسدي تضيفه إلى أرطاة حقف بجنب سويقة رهم وريح وتزداد عدوانية الريح المهاجمة، فتكون باردة تنضح الماء من بردها، ومزعزعة تحرك الأشياء، وتخض كيان الثور الوحشي، وتزرع في نفسه الخوف لما يلاقي من أذاها، فيلجاً إلى شجر الأرطى، متنقلاً بينهن لعله يجد له مكاناً أمناً يحميه من عدوه.
يقول أبو ذؤيب الهذلي: قطر وراحته بليل زعزع وتهاجم الريح الثور الوحشي في بيئة صحراوية تنبسط الرمال والأتربة فوق أرضها فتأخذ الخريق الشمالية من أدمتها ما يؤدي وظيفة الصراع، فتلقي بها على وجه الثور الوحشي، لتتركه أقتما مما يجعل الثور الوحشي يفضل اللجوء إلى شجرة الأرطاة النابتة في ويعود بالأرطى إذا ما شفه حقف الرمل. يقول الأعشى: يلوذ إلى أرطاة حقف تلفه خريق شمال تترك الوجه أقتما.
فتأتي الريح في ليلة ليلاء ذات ظلمة حالكة، وتختارها من ليالي رجب الباردة، فتضرب الثور، فتجعله يرعد من بردها الذي يكاد أن ينضح بالماء، ولا يحتمل الثور الحال التي هو فيها، فيأوي إلى شجر الآلاء التماسا للدفء. يقول عبيد بن الأبرص باتت عليه ليلة رجبية ينفي بأطراف الآلاء شفيفها نصباً تسح الماء أو هي أسود الكامل فغدا وكل خصيل عضو يرعد وتقترب صورة صراع الريح مع البقرة الوحشية من الصورة التي رسمها الشعراء للثور الوحشي، غير أنها تكون بصحبة ولدها. يقول الشماخ الذبياني: باتا إلى حقف تهب عليهما نكباء تنجس وابلاً غيداقا من صوب سارية أطاع جهامها نكباء تمري مزنها أوداقا اعترضت الريح النكباء البقرة وابنها.
فقلبت حالهما من فرح ومرعى إلى بؤس وشقاء، فقد شقت السماء، وحركت السحاب، واستدرت منه مطرا غزيرا مدراراً، فاضطرت البقرة الوحشية وابنها إلى اللجوء إلى منعرج رمل؛ ليأمنا بقاء حياتهما. ولم يكن حديث الشعراء الجاهليين عن مصارعة الريح مع الحمار الوحشي مختلفاً كل الاختلاف عما جاء في قصة الثور الوحشي، والبقرة الوحشية فيرسم لبيد بن ربيعة صورة هذا الصراع، ويجعلنا نتخيلها أمامنا، فتهب الريح الشمالية الباردة بالسحاب، فينطرد أمامها، حتى إذا ما وصل إلى الحمار الوحشي بدأ بقذف مياهه، مما يؤدي إلى التجاء الحمار بالأرطاة.
وتقلب الريح حال الحمار، وتجعله منصاعاً لتحكمها بحياته، فنجده يرعى الربيع حتى إذا هبت رياح الصيف الحارة غير مرعاه، يقول الشماخ الذبياني: تربع أكناف القنان قصارة فماوان حتى قاظ وهو زهوم الطويل إلى أن علاه القيظ واستن حوله ويقول لبيد بن ربيعة أهابي منها حاصب وسموم وتصيفا بعد الربيع وأحنقا وعلاهما موقوده المسموم وتلفح الريح الحرور الحمار، وتجفف مجرى الماء في الروض، فيضطر الحمار إلى البحث عن مورد ماء آخر. يقول الشماخ الذبياني: فلما أن رأى القريان هاجت ظواهرها ولاحته الحرور الوافر دعاه مشرب من ذي أبان حساء بالأباطح أو غدير ويقول زهير بن أبي سلمى حتى إذا لوح الكواكب شفه منه الحرائر والسفا المتنصب من دونه خشع دنون وأنقب ارتاع يذكر مشرباً بثماده.
ويوظف الشماخ الذبياني الريح في وصف الأتن الوحشية بقوله: وظلت تقالي باليفاع كأنها رماح نحاها وجهة الريح راكز يصور الشاعر الأتن الوحشية حين استقر بها المقام باليفاع، وجعلت تتفالى ويحك بعضها أبدان بعض، فبدت متمايلة على بعضها - بالقنا والرماح التي ركزت في وجه الريح. وذكر الجاهليون الظليم مشتهين به سرعة الناقة، ومستمدين هذا التشبيه من الريح، فهي سريعة، والظليم يحاكيها سرعة عندما تفزعه، فيركض طلبا للأمان. يقول لبيد بن ربيعة العامري تنجو نجاء ظليم الجو أفزعة ريح الشمال وشفان لها درر ولا يسلم الظليم من أذى الريح الذي يرمز إلى أذى طبقات المجتمع، وأعباء الحياة، فتذهب به ريح الصبا كل مذهب، وهي في محاولة جادة لسحقه، والقضاء عليه، يقول امرؤ القيس: يجول بآفاق البلاد مغربا وتسحقة ريح الصبا كل مسحق ويوضح علقمة الفحل كيف تحاول الريح بعدما كان الوئام يحفهم.
ودفء صدق العاطفة يحوم في جنبات عشهم. فقد كانت تصاحب الأمطار، ولما دنا وقت اياب الظليم إلى عائلته رأته في غفلة من ذلك، فقامت بعملين متناقضين، فضربته بالأمطار لتذكره بأمر العودة، ثم دبت الخوف في قلبه، فكانت تنذر بازدياد نزول الأمطار، وكأنها تضع العقبات أمام الظليم ليخفف السير، أو لتحول دون وصوله إلى هدفه. يقول الشاعر: حتى تذكر بيضات وهيجة يوم رذاذ عليه الريح مغيوم.